عام

عنايت ديكو

ينضم الأستاذ عنايت ديكو إلى حملتنا الصحفية للإجابة عن الأسئلة التي من شأنها تسليط الضوء على تموضع النخبة الكردية في خريطة هذه القضية المعقدة.

كيف تصف الهجوم التركي على بلادنا؟

سأبدأ بالإجابة على هذا السؤال ببعض الأمثلة ومن ثقافات عالمية مختلفة حول الأتراك، فهناك مثل يوناني يقول: إذا تحدث التركي معك عن السلام … فاعلم بأن الحرب قادمة. وهناك مثلٌ بلغاري يقول: أينما داست قدم التركي … فلن تنبت الحشائش هناك أبداً. وثمة مثل صربي يقول: الناس تبني … بينما الأتراك يخربون ويحطمون كل شيء، لكن أشهر مقولة أو تعبير دقيق أو وصفٍ حقيقي قيل عن الأتراك هو، ما قاله الروائي والكاتب الفرنسي الشهير ” فيكتور هوغو ” حيث كتب: إن رأيت الرعب والخراب والدمار … فاعرف بأن الأتراك قد مرّوا من هنا … للأسف هذه هي حقيقتهم.!
لنعود إلى سؤالكم … فهذا ليس بهجوم، أو تصدير للأزمة الداخلية، كما يحلو للبعض أن يُسميها، أو مناوشة حدودية أو عراك بيني أو إطلاق للرصاص، بل هذا، هو غزو واحتلال وغنيمة وقتل وتدمير وتهجير وتشريد، هدفه محو الكورد من على وجه الأرض، حيث هناك مشروع فاشي إسلامي تركي – أخواني مغلف بشتى أنواع الحجج والأوهام والأكاذيب من محاربة الإرهاب وغيره، لكن في باطنه هو مشروع جينوسايدي عنصري كبير لاقتلاع جذور الشعب الكوردي وتغيير ديمغرافية كوردستان سوريا مثلما فعلت تركيا قبلها بعشرات السنين في شمال كوردستان، وهجرت الملايين من الكورد إلى غرب تركيا وأسكنتهم في أحزمة الفقر والذل حول المدن التركية الكبيرة وحوّلتهم إلى وقود لخدمة المشروع الطوراني.

برأيك ماهي الأسباب الحقيقية وراء هذه الهجمة؟

أعتقد بأن الهدف الرئيسي من هذا الاحتلال الفاشي الإسلامي التركي لكوردستان سوريا، وقضم الحجر والبشر وتهجير الكورد من موطنهم التاريخي ” كوردستان “، وتوطين العرب في مدنهم وقراهم، مثلما حدث وشاهدناه في منطقة عفرين . هو ليس لمحاربة النظام السوري كما تدعي الفاشية التركية ومرتزقة الإئتلاف العربي السوري وعصاباته الإرهابية المجرمة عند مهاجمتهم لمناطقنا. بل الهدف الرئيسي هو، القضاء على هذا العمق الاستراتيجي الكبير والمخزون الكوردواري الهائل الموجود لدى كورد روچآڤا، لما لهم من حراك ونضال كوردستاني كبير ومشهود، وتضييق الخناق على كوردستان العراق كهدف استراتيجي وبعيد، ومن ثم القضاء على تلك التجربة الكوردستانية وبمساعدة دول الجوار الإقليمية وعلى رأسها العراق وسوريا وإيران ، إلى جانب تغاضي الدول العظمى عن هذا الاحتلال الفاشي وتقاطع مصالحهم الاستراتيجية مع مصالح الدولة التركية، وكأن التاريخ يعود بنفسه إلى الوراء من سيفر ولوزان وغيرهما من الاتفاقيات، ويذكرنا أيضاً بكمال آتاتورك وتاريخه وحروبه الدموية والجينوسايدية مع الكورد وتاريخهم.

هل كانت النخبة الكردية المثقفة على مستوى الحدث؟

للأسف لا ، فالنخبة المثقفة في الكثير من المنعطفات والمفاصل، لم تلعب الدور القومي المطلوب والريادي في قيادتها للأزمات والصراعات، ونقل الحالة الكمونية والنضالية الى واقع ملموس، فالنخبة المثقفة باتت في حالة يرثىٰ لها، نتيجة الارتباط العضوي اللصيق بين المثقف والسياسي الكورديين، واحتلت هذه النخبة أيضاً وفي أحايين كثيرة، الموقف المتفرج من الأحداث والمواقف، وابتعدت عن الحراكات المجتمعية وطرح المشاريع والبدائل ، فقسم منها مثلًا، راهنت على الاصطفافية الكوردية، وقسم آخر منها انضم إلى الهوبرة والشعبوية القاتلة وتسليم قدرها للكلاشينكوف، وكأننا نشاهد مباراة رياضية حامية الوطيس، حيث التصفيق الحار والكبير للحَكَم واللاعبين والمتفرجين وتسجيل النقاط والنقاط المضادة على لوحة الخسارات الاستراتيجية، وقسم من تلك النخبة المثقفة توارت عن الأنظار وسلكت طريق الصمت الرمادي المرتجف حتى تنتهي المباراة وسماع صوت صافرة الحكم، ليعلن من بعدها ذاك المثقف، رأيه ورؤيته بالأحداث والمجريات. وبتعريف آخر، إن حالة النخبة الثقافية الكوردية، هي حالة منعكسة ومتطابقة تماماً لحالة الحركة السياسية والحزبية والتنظيمية الكوردية المزمنة والعكس بالعكس صحيح أيضاً، يا للأسف وإلى اليوم، نرى هناك الارتهان الكبير لمعظم هذه النخب وانتقالهم بين أحضان السياسة والحزبايتية والاقليمية أو العشائرية والمناطقية.

لاحظنا مؤخراً محاولات من بعض المثقفين للنيل من بعضهم، هل تجد هذا مفيداً لمجابهة الهجمة المنظمة ضد قضيتنا الكردية؟

قط … هذا لا ولم ولن يدخل أبداً في خدمة الكورد وقضيتهم .
يقال … إن وجدت النزاعات والتناقضات والصراعات البينية تنهك بشعبٍ ولا يستطيع هذا الشعب القيام بمعالجة مشاكله وجراحاته المجتمعية … فاعلم بأن مثقفي هذا الشعب، هم في حالة مَرضية مزمنة وقاتلة. كما قلت، بأن الاصطفافية السياسية والحزبية وعدم تقبل الآخر المختلف وبتره ورفضه رفضاً قاطعاً، ودفع الحالة الفكرية والمعرفية والنقدية الى ميدان الاصطدام والعنف، وحشرها في زاوية الشك والريبة والتخوين، وإلصاق التبعية والتهم بها، إلى جانب إشهار فوهة المسدس وقرقعته في بعض زوايا التقاطعات الثقافية والفكرية والارتماء في حضن الطاغوت السلطوي وممارسة الإرهاب الفكري والجسدي في أحايين كثيرة، الى جانب التسلّح بالفوز العشائري الوهمي على المعارضين والمخالفين في الرؤية والتنظير  والتأطير ، وهذا ما دفع بنا الى هذه المهالك ، لأسف هذا ما حدث وما يحدث لنا في الساحة الثقافية الكوردية، ونحن لا نزال نعيش ارتدادات وتبعات تلك التناطحات والصراعات المستمرة والنزاعات البينية القاتلة والعدو يتربص بنا لإطلاق رصاصة الرحمة علينا.

هل هناك شيء اسمه الأمن القومي الكردي، وما هي النقاط الرئيسة في هذا المفهوم؟

أنا لست خبيراً في الاستراتيجيات ورسم معالم الدولة وبناء المؤسسات والإدارات وتشكيل الأحزاب وما شابه ذلك، ولكن ما أفهمه من عبارة ” الأمن القومي الكوردي ” … هو العمل والسهر على تحقيق أهداف هذا الشعب في الجغرافيا قبل التاريخ والحفاظ على عوامل وجوده ومكامن قوته والحفاظ على دعائمه الأساسية في اللغة والثقافة والفنون والتاريخ وعدم تعرضه لعمليات التطهير العرقي وإقامة التجارب عليه في المختبرات الحزبية ، والدفاع عن المكتسبات القومية لهذا الشعب … أما البقية الباقية فهي تفاصيل لا أكثر . 

ما هو المطلوب من النخبة الواعية عمله الآن؟ وما هي الخطوات العملية؟

تحديد الأولويات من الثانويات والحفاظ على وجود الكورد أرضاً وشعباً ، والعمل مع الأطراف السورية التي تؤمن بالعيش المشترك لضمان حقوق الكورد، والإسراع في ترتيب البيت الكوردي الداخلي، ووضع المصالح والأهداف الكوردية فوق أي إعتبار حزبي أو عقائدي، ومشاركة الشعب نفسه في اتخاذ القرارات المصيرية. ورمي الخلافات البينية جانباً مهما كانت كبيرة أو صغيرة، وجمع كل الدلائل والقرائن والصور والمواد والأفلام والوثائق والانتهاكات حول القتل والتشريد وتدمير البنية التحتية وهدم القبور والمزارات والمعالم والمواقع التاريخية والتغيير الديمغرافي وحالات القتل والاعدامات التي قام بها الجيش التركي والعصابات الإرهابية العروبوية في كل المناطق الكوردية وتشكيل فريق عمل حقوقي ومن خيرة المحاميين من الكورد والأجانب لتقديم الشكاوى وإقامة الدعاوى على الحكومة التركية وعلى رئيسها أردوغان بالتحديد في المحاكم الأوروبية.

كيف ترى دخول قوات النظام إلى مناطق الإدارة الذاتية ؟ وهل هناك خطر ما في المستقبل على هذه الإدارة؟

قد قالها يوماً ” مسعود يلماز ” رئيس وزراء تركيا الأسبق، نحن ضد الكورد حتى على سطح القمر، فبماذا يختلف مسعود يلماز عن بشار الأسد اليوم أو أردوغان أو عبادي أو المالكي أو حسن روحاني أو غيره وغيره؟ . ثانياً … لنرجع إلى السؤال ، أعتقد بأن دخول قوات النظام العربي السوري الى مناطق الادارة الذاتية هو تحصيل حاصل، ولا يوجد شيء جديد، فالنظام كان موجوداً وفي كل مفاصل الحياة هناك، فكل شيء على الأرض كان مخططاً له ومدروساً، فالإدارة الذاتية تعرف بأنها استلمت المفاتيح وعليها اليوم تسليم تلك الأمانة لأصحابها، وتعرف أيضاً بأنها صادرت القرار السياسي الكوردي في كوردستان سوريا وسلكت الكثير من الطرق العرجاء والميكافيلية السياسية للوصول إلى الحكمدارية الوهمية، وتعرف أيضاً بأنها قدّمت القرابين تلو القرابين على مذابح الفلسفة الطوباوية المعاصرة، وتعرف جيداً بأنها تتحمل القسط الأكبر في دفع الكورد نحو الخسارات التاريخية في المعادلة الحالية، وعلى الأقل كوردياً ، ولماذا …؟ لأنها صادرت القرار الكوردي وحاربت كل من يخالفها في التفكير والمنهج والممارسة، ويا للأسف إن قرار السلم والحرب، ليس بيدها ، واليوم هناك مخاطر كبيرة وكبيرة جداً ، تنتظر شعبنا في شرق الفرات، مثل التغيير الديمغرافي والتهجير وتهديد وجوده التاريخي، وخير مثال أمامنا هو احتلال ” عفرين ”  وهو الشاهدٌ الأكبر أمام أعيننا ، لكن الخوف والخوف الكبير في هذه المعادلة هو , أن نسمع في قادمات الأيام بأن كل هذه الانكسارات والفشل السياسي والدبلوماسي، هو انتصار في التاريخ والجغرافيا.! .

هل هناك إمكانية توحيد الرؤى والاستراتيجيات بين القوى الكوردستانية الفاعلة على ساحة كوردستان بشكل عام؟

فاحتراماً لدماء الشهداء ، قد نرى حالات لتضييق المساحات الخلافية وتقليص التناقضات بين الأطراف الكوردستانية في فترة من الفترات وقد يكون هذا ممكناً، وذلك للأمور التكتيكية لا غير ولتثبيت مواقع التموضع الحزبوي، لكن في حالة توحيد الرؤى الاستراتيجية ورسم المعالم المستقبلية للشعب الكوردي في الشرق الأوسط ، أنا أشك في هذه الرؤية، لأن المشاريع السياسية الموجودة أمامنا هي متناقضة في البنية والجوهر، فالخلافات التي بينها هي أشد وأكبر من كل التقاطعات المشتركة، فهناك أمتان في كوردستان، أمة تطلب الكوسموبوليتية العمياء وصهر الكورد في بوتقة وآتون العنصريات الموجودة حولنا من الترك والعرب والفرس، والأمة الأخرى، أمة تطلب حقوقها القومية وتناضل وتكافح من أجل سطوع الشمس الكوردستانية يوماً ما في هذا المشرق الدامي.

والتاريخ لا يرحم … فيكتب صفحاته بأدق التفاصل.!
وشكراً
عنايت ديكو

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: